ابن العربي
301
أحكام القرآن
به أن يخونه أحد شرعا ، نعم يكون ذلك فيهم فجورا وتعدّيا ، وخص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالذكر تعظيما لقدره ، وإن كان غيره أيضا لا يجوز أن يخون ، ولكن هو أعظم حرمة . الثالث - ما كان لنبىّ أن يتهم فإنه مبرّأ من ذلك ، وهذا يدل على بطلان قول من قال : إنّ شيطانا لبّس على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الوحي وجاءه في صورة ملك ، وهذا باطل قطعا . وقد بيناه في المشكلين ، وخصصناه برسالة سميناها بكتاب تنبيه النبىّ على مقدار النبي ، وسنذكرها في سورة الحج إن شاء اللّه تعالى . الرابع - ما كان لنبي أن يغل - بفتح الغين ، ولا يعلم ، وإنما يتصوّر ذلك في غير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ أما النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا خانه أحد أطلعه اللّه سبحانه عليه . وهذا أقوى وجوه هذه الآية ؛ فقد ثبت في الصحيح أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان على ثقله رجل يقال له كركرة فمات ، فقال النبىّ عليه السلام : هو في النار ، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوه قد غلّ عباءة . وقد روى أبو داود وغيره ، وفي الموطأ أنّ رجلا أصيب يوم خيبر فذكروه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : صلّوا على صاحبكم ، فتغيّرت وجوه القوم . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : والذي نفسي بيده إنّ الشملة التي أخذها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا . وفي رواية فقال : إن صاحبكم قد غلّ في [ 104 ] سبيل اللّه ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز يهود ما يساوى درهمين . المسألة الخامسة - قوله تعالى : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ . روى البخاري وغيره عن أبي هريرة قال « 1 » : قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطيبا فذكر الغلول وعظّمه ، وقال : لا ألفينّ أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء ، وعلى رقبته فرس لها حمحمة يقول : يا رسول اللّه ، أغثني . فأقول : لا أملك لك من اللّه شيئا قد بلّغت . . . الحديث . المسألة السادسة - إذا غلّ الرجل في المغنم فوجدناه أخذناه منه وأدّبناه خلافا للأوزاعى وأحمد وإسحاق من الفقهاء ، وللحسين من التابعين ، حيث قالوا : يحرق رحله إلا الحيوان والسلاح .
--> ( 1 ) صحيح مسلم : 1461 ، وابن كثير : 1 - 421 ، وقال : لم يروه أحد من أهل الكتب الستة .